محمد بن جرير الطبري
574
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
يعني بقوله : " ولا زكا " ، لم يُصَيِّرْهم شَفعًا من وَترٍ ، بحدوثه فيهم ( 1 ) . وإنما قيل للزكاة زكاة ، وهي مالٌ يخرجُ من مال ، لتثمير الله - بإخراجها مما أخرجت منه - ما بقي عند ربِّ المال من ماله . وقد يحتمل أن تكون سُمِّيت زكاة ، لأنها تطهيرٌ لما بقي من مال الرجل ، وتخليص له من أن تكون فيه مَظْلمة لأهل السُّهْمان ( 2 ) ، كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن نبيه موسى صلوات الله عليه : ( أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً ) [ سورة الكهف : 74 ] ، يعني بريئة من الذنوب طاهرة . وكما يقال للرجل : هو عدل زَكِيٌّ - لذلك المعنى ( 3 ) . وهذا الوجه أعجب إليّ - في تأويل زكاة المال - من الوجه الأوّل ، وإن كان الأوّل مقبولا في تأويلها . وإيتاؤها : إعطاؤُها أهلها . وأما تأويل الرُّكوع ، فهو الخضوع لله بالطاعة . يقال منه : ركع فلانٌ لكذا وكذا ، إذا خضع له ، ومنه قول الشاعر : بِيعَتْ بِكَسْرٍ لَئِيمٍ وَاسْتَغَاثَ بِهَا . . . مِنَ الْهُزَالِ أَبُوهَا بَعْدَ مَا رَكَعَا ( 4 )
--> ( 1 ) قوله : " بحدوثه فيهم " ، أي بوجوده في هؤلاء القوم . والعديد ( في الرجز ) ، من قولهم فلان عديد بني فلان : أي يعد فيهم وليس منهم : يريد أنه إذا دخل في قوم لم يعد فيهم شيئًا ، فإذا كانوا شفعًا ، لم يصيرهم دخوله وترًا ، وإذا كانوا وترًا لم يصيرهم شفعًا ، فهو كلا شيء في العدد . يهجوه ويستسقطه . ( 2 ) السهمان جمع سهم ، كالسهام : وهو النصيب والحظ . ( 3 ) في المطبوعة : " بذلك المعنى " وليست بشيء . ( 4 ) هذا البيت من أبيات لعصام بن عبيد الزماني ( من بني زمان بن مالك بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ) رواها أبو تمام في الوحشيات رقم 130 ( مخطوطة عندي ) ، ورواها الجاحظ في الحيوان 4 : 281 ، وجاء فيه : " قال الزيادي " وهو تحريف وتصحيف كما ترى . وهذه الأبيات من مناقضة كانت بين الزماني ويحيى بن أبي حفصة . وذلك أن يحيى تزوج بنت طلبة بن قيس بن عاصم المنقري فهاجاه عصام الزماني وقال : أَرَى حَجْرًا تغيَّر واقشعرَّا . . . وبُدِّل بعد حُلْو العيش مُرًّا فأجابه يحيى بأبيات منها : ألا مَنْ مُبلغٌ عنِّى عِصَامًا . . . بأَنِّي سَوْفَ أَنْقُضُ مَا أَمرَّا هكذا روى المرزباني في معجم الشعراء : 270 ، وروى أبو الفرج في أغانيه 10 : 75 أن يحيى خطب إلى مقاتل بن طلبة المنقري ابنته وأختيه ، فأنعم له بذلك . فبعث يحيى إلى بنيه سليمان وعمر وجميل ، فأتوه فزوجهن بنيه الثلاثة ، ودخلوا بهن ثم حملوهن إلى حجر ، ( وهو مكان ) . وأبيات عصام الزماني ، ونقيضتها التي ناقضه بها يحيى ، من جيد الشعر ، فاقرأها في الوحشيات ، والحيوان ، والشعر والشعراء : 740 ، ورواية الحيوان والوحشيات " بِيعَتْ بوَكْسٍ قَليلٍ واسْتَقَلَّ بِهَا " الوكس : اتضاع الثمن في البيع . وفي المخطوطة والمطبوعة " بكسر لئيم " ، وهو تحريف لا معنى له ، وأظن الصواب ما أثبت اجتهادًا . والكسر : أخس القليل . وقوله : " بيعت " الضمير لابنة مقاتل بن طلبة المنقري التي تزوجها يحيى أو أحد بنيه . يقول : باعها أبوها بثمن بخس دنئ خسيس ، فزوجها مستغيثًا ببيعها مما نزل به من الجهد والفاقة ، فزوجها هذا الغنى اللئيم الدنيء ، ليستعين بمهرها .